عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
208
معارج التفكر ودقائق التدبر
تفارق حكمته ، ومن نحى منحى الجبر فقد أخطأ في فهم الآية ، إذ التّوفيق الرّبّانيّ جاء ضمن قانون ربّانيّ أيضا مبني على عمل اختياريّ كان من العبد وهو إيمانه الصّادق الّذي نشأ عنه خشيته ربّه . أمّا من كفر ابتداء بربّه ، فلم يخش عقابه ، سهّل اللّه له في رحلة امتحانه مسالك ضلاله ، وأمدّه بعطاءات ربوبيّته ليكتسب بها ما يشاء من جرائم وآثام ، ومن سار في سبل ضلاله باختياره الحرّ ، النّاشئ عن كفره بربّه وعدم خشيته عقابه وعذابه ، حكم اللّه عليه بالضّلال ، ومن يحكم اللّه عليه بالضّلال فما له من هاد يهديه ، إذ الحكم بين العباد للّه وحده ، هو الّذي يحكم بالضّلالة لمن هو أهل لها ، وهو الّذي يحكم بالهداية لمن كان مهديّا ، وكلّ ذلك بمشيئته المطلقة الّتي لا تفارق حكمته ، ولا سلطان عليها من غير ذات اللّه وصفاته ، لكنّ كمالها يجعل كلّ ما يصدر عنها حقّا وعدلا أو فضلا وإحسانا . وليس من الحكمة أن يخالف اللّه سنّته في امتحان عباده فيسلبهم اختيارهم وهم موضوعون موضع الامتحان ، أو يمنع عنهم إمدادهم بالقوى في حالة معصيتهم له . وعلى المتفكّر أن يضع نصب عينيه دواما ، أنّ من وضع يده في النّار باختياره الحرّ ، أحرق اللّه له يده ضمن سنّته في كلّ عباده ، ومن تحسّى سمّا قاتلا قتله اللّه بسمّه الّذي تجرّعه ، ضمن سنّته في كلّ عباده . كذلك من كفر باللّه وبما أنزل اللّه من بيانات ، وجد سبل الضّلال ميسّرة أمامه ، ومن آمن باللّه وبما أنزل اللّه من بيانات ، وجد صراط الهدى ميسّرا أمامه ، وأعانه اللّه وزاده توفيقا ، ليزيد من درجاته ، ويرفعه في المراتب على مقدار قوّة إيمانه . قول اللّه تعالى :